النويري

221

نهاية الأرب في فنون الأدب

علم حسن - ليس عندنا - من علم الأنبياء ؛ فخرجا حتى قدما المدينة فسألا أحبار يهود عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ووصفا لهم أمره ، وأخبراهم ببعض قوله ، وقالا لهم : إنّكم أهل التوراة ، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا ، فقال لهما أحبار يهود : سلوه عن ثلاث نأمركم بهنّ ، فإن أخبركم بهنّ فهو نبىّ مرسل ، وإن لم يفعل فالرجل متقوّل ، فروا فيه رأيكم ، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأوّل ، ما كان من أمرهم ؟ فإنّه قد كان لهم حديث عجيب ؛ وسلوه عن رجل طوّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ؛ ما كان نبؤه ؟ وسلوه عن الرّوح ما هو ؟ فإن أخبركم بذلك فاتّبعوه فإنه نبىّ ، وإن لم يفعل فهو رجل متقوّل فروا فيه رأيكم . فجاؤوا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقالوا : يا محمد ، أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأوّل قد كانت لهم قصّة عجب ؛ وعن رجل كان طوّافا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ؛ وأخبرنا عن الرّوح ما هي ؟ فقال لهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « أخبركم بما سألتم عنه غدا » ، ولم يستثن بالمشيئة ، فانصرفوا عنه ، فمكث رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فيما يزعمون خمس عشرة ليلة لا يحدث اللَّه في ذلك وحيا ، ولا يأتيه جبريل حتى أرجف « 1 » أهل مكَّة وقالوا : وعدنا محمد غدا ، واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا « 2 » بشئ ممّا سألناه عنه ، وحتى أحزن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم مكث الوحي عنه ، وشقّ عليه ما يتكلَّم به أهل مكة ؛ ثم جاءه جبريل من اللَّه بسورة الكهف فيها خبر ما سألوا عنه ، فيقال : إنه صلى اللَّه عليه وسلم قال لجبريل حين جاءه : لقد احتبست عنّى حتى سؤت ظنّا ؛ فقال له جبريل :

--> « 1 » يقال : أرجف القوم ، إذا خاضوا في الأخبار السيئة وذكر الفتن . « 2 » كذا في ابن هشام . وهو الصواب . والذي في الأصل : « لا تخبروا » ؛ وهو تحريف .